بعد مرور 55 عاما على ثورة 23 يوليو 1952 ينظر البعض إليها على أنها ثورة ناجحة بكل المقاييس فهي على الأقل كانت ثورة بيضاء، لم يحدث فيها إراقة للدماء على غرار بعض الثورات الأخرى بل إنها أيضا قد ساعدت في قيام العديد من الثورات في دول العالم الثالث، ناهيك عما حققته من أهداف وإنجازات بينما يرى البعض الآخر أن الثورة لم تحقق شيئا من أهدافها سوى القضاء على الاستعمار بل حتى هذا الهدف عاد اليوم ولكن بشكل مختلف.. أما باقي أهدافها فقد فشلت في تحقيقها؛ مؤكدين أن الحياة الديمقراطية في مصر قبل الثورة كانت أفضل مما نحن عليه الآن!
فهل كان الأفضل ألا تقوم ثورة يوليو؟! وما الذي حدث ليلة 23 يوليو من الضباط الأحرار؟! وكيف مرت تلك الليلة على الملك "فاروق"؟ وهل حققت الثورة بالفعل ما جاءت من أجله؟ أم أن الأوضاع في مصر كانت ستصبح أفضل لو لم تقم الثورة؟..
قبل 23 يوليو.. أزمات اقتصادية وغليان سياسي!
قبل الثورة كان أهم ما يشغل بال المصريين هو الاستقلال، وهو الاتجاه الذي كان يقوده حزب الوفد، وكان الوفد يمارس الأسلوب التقليدي للتحرر عن طريق المفاوضات والتي نتج عنها معاهدة 1936 وتنص على بقاء القاعدة العسكرية البريطانية في مصر في قناة السويس وهو الأمر الذي تسبب في تراجع شعبية الوفد كثيرا وقتها.
أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فكانت البلاد تعاني من أزمات اقتصادية نتج عنها زيادة الإضرابات النقابية وأصبح إضراب العمال والمدرسين بل رجال الشرطة أمرا مألوفا تعجز كل الحكومات عن التعامل معه.
وزادت حدة الاحتقان السياسي في مصر بعد حرب فلسطين عام 1948 وازدادت الأمور سوءا مع حريق القاهرة في يناير 1952 والذي تلاه تعاقب أربع وزارات في أقل من ستة أشهر، وبدا واضحا أن المجتمع المصري كله في حالة غليان.
بيان "السادات" وشعبية "نجيب" فتحا الباب أمام الثورة!
وفي ليلة 23 يوليو بدأ التحرك مع "خالد محيي الدين" الذي حرك كتيبته "مشاة المدرعات" وأخذ ثلثها ليغلق به الطريق والكوبري الذي يفصل المستشفى العسكري عن منطقتي كوبري القبة وحدائق القبة ووصلت باقي الكتيبة إلى مدخل مصر الجديدة أمام محطة بنزين "موبيل أويل" لتسد الطريق أمام القادم من مصر الجديدة.
ويقول "خالد محيي الدين" عن ذكرياته ليلتها: "ما أن سمعت صوت الموتورات حتى انتظمت معها دقات قلبي وكأنها تتحرك معها ومعها دقات قلوب أربعمائة جندي هم قواتي التي أتحرك بها".

وفي نفس الوقت تحرك الأميرالاي "يوسف صديق" –أحد الضباط الأحرار والذي اختلف بعد ذلك مع مجلس قيادة الثورة وقدم استقالته، ثم سافر إلى سويسرا وبعد عودته تم إلقاء القبض عليه، ثم توفي إثر مرض صدري- مبكرا لمدة ساعة ونصف عن الموعد المتفق عليه فاقتحم مقر قيادة الجيش في كوبري القبة وألقى القبض على قيادات الجيش المجتمعة هناك.. وهو ما تسبب في نجاح الثورة؛ لأن القصر كان قد علم بتحرك الضباط الأحرار ليلة 23 يوليو إلا أن "يوسف صديق" كان أسرع باقتحامه مبنى قيادة الجيش وإلقائه القبض على كل من كان فيه في الوقت الذي كانت فيه قوات "خالد محيي الدين" تعتقل باقي كبار القادة الذين أسرعوا إلى معسكراتهم للسيطرة عليها. وفي خلال ساعتين أو أكثر قليلا كان الضباط الأحرار قد أحكموا سيطرتهم على كل المنطقة العسكرية.
ومع انتشار الأخبار بدأ الشعب منذ صباح يوم 23 يوليو يتجمع في كل شوارع وميادين القاهرة والإسكندرية يصفق ويهلل ويتكتل حول أجهزة الراديو ليستمع لبيان الثورة هاتفا للجيش.
وفي السادسة صباحا كانت الطائرات الحربية تطير لتعلن سيطرة الضباط الأحرار على سلاح الطيران والمطارات كما تم الاستيلاء على الإذاعة التي صدر منها أول بيان للثورة والذي أذيع بمعرفة أحد ضباط القوات المسلحة لكنه كان مليئا بالأخطاء اللغوية وهو ما دفع الضباط الأحرار لأن يعيدوا إذاعته مرة أخرى بصوت البكباشي "محمد أنور السادات".
وفي الساعة الثالثة من يوم 23 يوليو أخطر "جمال عبد الناصر" اللواء "محمد نجيب" بنجاح خطة الضباط الأحرار وسيطرتهم الكاملة على الجيش، وأخبره برغبتهم في أن يكون واجهة للثورة لما يتمتع به من حب وسمعة طيبة بين رجال الجيش.
وأعلن اللواء "محمد نجيب" موافقته بل ترحيبه بالأمر كله. وفي الساعة السادسة من صباح يوم 24 يوليو كانت قطاعات الجيش المختلفة تعلن ولاءها لهم وأصبح "محمد نجيب" قائدا للثورة.
وساند الشعب الثورة التي أعلنت أهدافها الستة الشهيرة.. القضاء على الاستعمار، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار، وسيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.. وهي الأهداف التي لاتزال تشكل سؤالا صعبا حتى الآن.. هل تحققت أم لا؟!
_________________

